سعيد حوي
3853
الأساس في التفسير
فظيعا ، أي إنهم لم يجسروا على هذا القول الفظيع إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو ، وفي كتابنا ( الله جل جلاله ) برهنا على أن هذا الطلب منهم غاية في الجهل ، لأن الله عزّ وجل لا يدرك في قوانين هذا العالم بالحواس ، ولكون هذه بديهة في منطق العقل ، لم يرد الله عليهم بخصوصها ، فالله عزّ وجل خالق المادة ، وهو بالتالي ليس مادة ، والحواس اختصاصها ببعض المادة ، ومن ثم فقد انصب الرد على الجانب الآخر ، وهو طلبهم إنزال الملائكة يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ يوم الموت أو يوم البعث لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ أي للكافرين وَيَقُولُونَ أي الملائكة للكافرين حِجْراً مَحْجُوراً أي حراما محرما عليكم البشرى ، أي جعل الله ذلك حراما عليكم ، إنما البشرى للمؤمنين ، أو حراما محرما عليكم الفلاح ، وبهذه الآية جاء الجواب على اقتراحهم المتعنت ، فكأن الله عزّ وجل قال جوابا على طلبهم : إنه في عالم غير هذا العالم ، وفي قوانين غير هذه القوانين ، ترون الملائكة ، ولكن رؤيتكم للملائكة يوم ذاك لن تكون خيرا لكم ، ولكن شرا لكم ، والسؤال لما ذا بلغوا الغاية في الكبر والظلم بسؤالهم رؤية الملائكة أو رؤية الله ؟ والجواب : أن بداهة العقل تحكم أن الرسول قد قامت كل الحجج على صدق رسالته ، فتعليق الإيمان على شئ آخر كبر وظلم ، فكيف إذا كان هذا الشئ الآخر مستحيلا في العادة ! بحكم بداهة العقل في قوانين الحياة الدنيا ، لقد اقتضت سنة الله ألا يرى الإنسان الملائكة في الدنيا إلا في حالات يختارها الله عزّ وجل ولا تملى عليه ، وإذ بين الله عزّ وجل لهؤلاء المتعنتين سفاهة مطلبهم ، بين لهم أن رؤيتهم الملائكة تكون عند الموت ، أو عند البعث ، وأن ذلك سيكون وبالا عليهم ، أتم عرض حال هؤلاء يوم القيامة وَقَدِمْنا أي وعمدنا كما قال مجاهد والثوري إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ كانوا يعتقدون أنهم فيه على شئ فَجَعَلْناهُ هَباءً الهباء : هو ما يرى من الكوة مع ضوء الشمس ، شبهها بالغبار مَنْثُوراً أي مفرقا وفي تفسير الهباء أقوال كثيرة قال ابن كثير : ( وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شئ فلما عرضت على الملك الحكم العدل ، الذي لا يجور ولا يظلم ، إذا إنها لا شئ بالكلية ، وشبهت في ذلك بالشئ التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شئ بالكلية ، وقد دلت الآية على أن الله عزّ وجل لا يقبل عملا من كافر ، ولا يعني هذا أنه لا يكافئ الكافر على الخير ، بل يكافئه بالدنيا ؛ إما بعطاء ، أو بثناء ، وأما في الآخرة فلا يقبل عملا إلا من مؤمن ، وتعليل ذلك كما قال ابن كثير : وذلك لأنها فقدت الشرط